مؤتمر التأليف والنشر

المقدمة
نبذة  

عقدت "مؤسّسة الفكر العربي" في الأول والثاني من شهر تشرين الأول 2009 مؤتمراً بعنوان "حركة التأليف والنشر في العالم العربي... كتاب يصدر.. أمة تتقدم" في فندق فينيسيا، وذلك برعاية رئيس الجمهورية الّلبنانية العماد ميشال سليمان الذي مثله وزير الثقافة الّلبناني تمام سلام. وقد حضر المؤتمر كلٌ من وزيرة التربية والتعليم العالي بهية الحريري، وزير الأشغال العامة غازي العريضي، الوزير خالد قباني ممثلاً الرئيس فؤاد السنيورة، النائب عمار حوري ممثلاً الرئيس المكلّف سعد الحريري والنائب ياسين جابر ممثلاً الرئيس نبيه بري.

تفاصيل  

كلمات الافتتاح

هذا بالإضافة إلى حضور عدد من سفراء الدول العربية والكتّاب والناشرين والصحفيين الّلبنانيين والعرب.
تتالت الكلمات بعد انتهاء النشيد الوطني الّلبناني، فكان أولها كلمة أمين عام "مؤسّسة الفكر العربي" الدكتور سليمان عبد المنعم التي قال فيها: "مؤتمرنا مؤتمر تساؤلات والتساؤل فضيلة عقلية، لا تقلّ عن فضيلة المعرفة". ثم كلمة لصاحب السموّ الملكي الأمير خالد الفيصل، رئيس "مؤسّسة الفكر العربي" الذي بارك من خلالها لدولة لبنان إعلان عاصمتها بيروت "عاصمة عالمية للكتاب". وكانت الكلمة الأخيرة لرئيس الجمهورية الّلبنانية العماد ميشال سليمان التي ألقاها بالنيابة الوزير تمام سلام، والتي تتضمن بعض الأرقام والإحصاءات التي أشارت إلى تدني متسوى القراءة في العالم العربي، بحيث يصدر كتابٌ لكل 12 ألف مواطن، بينما هناك كتاب لكل 500 شخص في بريطانيا، وكتاب لكل 900 شخص في ألمانيا، أي أن معدل القراءة في العالم العربي لا يتجاوز 4% من معدل القراءة في بريطانيا. كما شدّد الوزير سلام على أهمية المؤتمر قائلاً: " كتاب يصدر... مواطن يقرأ... أمّة تتقدم. هكذا بدأنا مسيرة النهضة العربية الأولى، عندما كان القارئ العربي نموذجاً حضارياً يحتذى. ولن تتقدم الأمة ما لم يتحوّل الكتاب إلى وسيلة ينهل منها كلّ أبنائها، فيتحقق النهوض الشامل"..
وقبل أن تعقد الجلسة الأولى من المؤتمر، قدم سمّو الأمير خالد الفيصل درعاً منقوشاً لمؤسّسة الفكر العربي إلى كلٌ من رئيس الجمهورية الّلبناني العماد ميشال سليمان ووزير الثقافة الّلبناني تمام سلام.


آراء حول المؤتمر


كانت هناك آراء عديدة للفعاليات الحاضرة قبل بدء الجلسات الثماني، فوزيرة التربية والتعليم العالي بهية الحريري رأت في المؤتمر مناسبة جيدة، لأن المستهدف هو المواطن العربي وكيفية تقديم المعرفة له لكي يعتاد على عملية القراءة. أما وزير الأشغال غازي العريضي فرأى أن الأهمية تكون في نتيجة المؤتمر وماذا سيصدر عنه من مقرّرات، فنحن نحتاج الى جهد جبار على المستوى العربي العام والشامل. واعتبر وزير الخارجية خالد قباني أن المؤتمر من المؤتمرات المهمة، في حين أشاد النائب والوزير السابق ياسين جابر برقي المؤتمر والكلمات الافتتاحية التي سبقت الجلسات.

حركة التأليف والنهضة: الفقي والخاشفجي وضاهر وبلقزيز يناقشون..


بعد استراحة قصيرة، عُقدت الجلسة الأولى من المؤتمر تحت عنوان "هل أسهمت حركة التأليف في صياغة مشروع نهضوي عربي؟"، وقد ترأس هذه الجلسة الإعلامي والشاعر الّلبناني زاهي وهبي ليحاور كلاً من الدكتور مصطفى الفقي رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشعب المصري، الأستاذ جمال خاشقجي رئيس تحرير جريد الوطن السعودية، الدكتور والمفكر المغربي عبد الإله بلقزيز، والأستاذ الجامعي مسعود ضاهر. استهل الإعلامي زاهي وهبي الجلسة بسؤال المنتديين: "هل هناك مشروع نهضوي في ظل تراجع حركة التأليف وتدني نسبة القراءة في العالم العربي؟"
وقبل الإجابة عن التساؤل، حيا الدكتور الفقي "مؤسّسة الفكر العربي"، واعتبر أن بيروت هي بحق عاصمة الثقافة العربية وأن اختيار إقامة مؤتمر الترجمة والتأليف فيها اختيار موفق، واستذكر هجرة المثقفين الشوام الى القاهرة في زمن النهضة الأولى، خصوصاً جرجي زيدان(المسيحي الّلبناني) الذي اهتم بالتاريخ الإسلامي من خلال الروايات والأبحاث، وتطرّق إلى الكتب المحورية التي أحدثت نقلة نوعية في الثقافة العربية مثل، كتاب "الإسلام وأصول الحكم" للكاتب علي عبد الرازق وكتاب "النبي" للأديب جبران خليل جبران الأكثر قراءة وتوزيعاً في العالم، واعتبر أن مثل هذه الكتب أسهمت في تغيير العقلية العربية، وأضاف:" مهما كان حجم الأزمات يظلّ الكتاب حافظاً للتراث وهو "خير جليس" في أحلك الظروف".
بدوره أضاف رئيس تحرير جريدة الوطن جمال خاشقجي أن ما يجري اليوم يختلف جذرياً عن عصر النهضة الأولى، وأنه باتت هناك مشاريع نهضوية متعدّدة ومختلفة، وأن مشروع النهضة الأولى انتهى وتبدّلت الأمور كثيراً. فالمشروع الأول في زمن طه حسين ورفاعة الطهطاوي لا يلغي المشاريع الحالية وهي كثيرة في مجال التأليف والترجمة وإن كانت لا تقوم تحت لافتة مشروع مركزي. وألمح خاشقجي إلى أن المكتبات تبيع ما يطلبه الجمهور وأن الكتب باتت تخدم الأفراد وليس النهضة الكبرى. كما تطرق خاشقجي إلى واقع الكتب التي تبيعها المكتبات في السعودية مثل مكتبة جرير وغيرها.
أما المفكر المغربي عبد الإله بلقزيز فاعتبر أن فكرة النهضة العربية كهاجس لم تبارح الوعي العربي منذ عقود، وأوضح أن لا نهضة حقيقية من دون مشروع ثقافي سواء في العالم العربي أم في أي مكان في العالم، فالنهضة الإسلامية بدأت بمشروع ثقافي من كتب التفسير إلى أصول الفقه والتشريع والقرآن، وأن الإصلاح الديني في أوروبا كان أساسه مشروع ثقافي وأن الثورة الفرنسية سبقها عصر الأنوار، فيما العرب لم يشذوا عن هذه القاعدة، مستذكراً أن مشروع محمد علي في مصر كان له من يرشده من المثقفين، وكذلك النهضة التي قام بها سلاطين المغرب العربي أو بايات تونس، خصوصاً خير الدين التونسي، لينتهي إلى أن كل نهضة كان لها تعاونها مع المثقفين.
وقال بلقزيز "إن النهضة غالباً ما تبدأ من لحظة السقوط كما حصل في ألمانيا أو اليابان، وهو إذ نفى فكرة "المؤامرة"، إلا أنه لم يبرئ العامل الخارجي من تردي الأوضاع في العالم العربي، فالإنكليز وغيرهم كانوا سبباً في فشل مشروع محمد علي في مصر، فيما تلعب الصهيونية دورها راهناً في هذا المجال؛ فزرعوا الفتن والحروب في بلد مثل لبنان كان من المفترض أن يكون ساحة للفكر والحرية. ودعا بلقزيز إلى الشجاعة وإلى مراجعة الذات ونقد الأخطاء، معولاًعلى أن العروبة وحدها تصنع النهضة، فالوطنيات لها دورها لكن في النهاية لا بدّ أن تصبّ في اتجاه التوحّد، وعلّل ذلك بأن الدول الأوروبية اكتشفت أن مصلحتها في سياق المنافسة الكونية تقتضي توحيد وطنياتها في إطار مصالحها العليا.
وبدا المؤرخ الأكاديمي مسعود ضاهر أكثر خروجاً عن إطار التأمل في حركة النهضة الأولى وتداعياتها، وقال إننا امام مرحلة تاريخية أفضل من الماضي، هناك نماذج كثيرة في هذا المجال تبيّن أننا تقدمنا على النهضة الأولى، مثل حليم بركات في كتبه عن المجتمع العربي، وكتب المفكر الراحل قسطنطين زريق.. بدا ضاهر متفائلاً ومستقبلياً، معتبراً أن المفكرين الجدد أسهموا في توليد الفكر النهضوي وأنه لا حاجة للبكاء على الأطلال، لأن النهضة الفعلية تقوم على المؤسّسات الفكرية والديمقراطية والتأليف وبناء الإنسان والتوافق المنهجي بين الفكر والسياسة.
وأكّد الفقي أن الكتاب جزء من عملية النهضة ومشروعها، وتطرّق إلى نوعية القراءة واختيار الكتب، معتبراً أن الكثير من دور النشر تمضي وراء رغبة القارئ، ففي القاهرة هناك الكثير من المكتبات تسيطر عليها الكتب الدينية، وخصوصاً الكتب الدينية الرخيصة، وبالتالي تجري دور النشر وراء مفهوم الربح قبل كل شيء، واعتبر أن ثمانين في المئة من القرّاء في العالم العربي هم قراء صحف، ويعتمدون على ما  في هذه الصحف من ملخصات، وتابع أن الشباب في عصر الإنترنت يجلسون وراء الكومبيوتر، وطالب الجامعة العربية بأن تتحوّل إلى الثقافة لأن دورها في هذا المجال أكثر فعالية وجدوى للعالم العربي.
وسأل خاشقجي هل يتشكّل جهاز مركزي يدعم نشر الكتاب مثلما تدعم الدول الخبز والحليب؟ هل تتشكل وزارة للإرشاد القومي؟ وقال إن بعض الدول العربيّة لجأت إلى إصدار مجلات علمية، وإن المشكلة تكمن في عدم استجابة المواطنين لها وفي عدم متبعتها.
هذا وقد استحوذت العروبة  على الكثير من نقاشات المفكر المغربي بلقزيز التي قال إن الدول العربية كان لها دورها الكبير في دعم بعض الأدباء والتواصل معهم، إلى أن حصل الطلاق بعد الاستقلالات، وأضاف أن المشكلة الدائمة في النقاش حول النهضة تكمن في اختزالها ضمن أقفاص سياسية وشعاراتية، بحيث يعتبر فريق أن لا  نهضة إلا بالوحدة العربية، ويعتبر آخر أن لا نهضة من دون حرية أو اشتراكية، وأنه كان ينبغي أن تكون كلّ الأفكار تحت سقف واحد، وأن تتجاور ولا تتنافر، بغية تحقيق التنمية والاستقلال والنهضة.
وتدخّل مسعود ضاهر قائلاً إن مشروع النهضة لا يتمّ في ظل فراغ في الديموقراطية، مستنتجاً بأن البيروقراطية لا تنتج ثقافة. وبدا كأنه يردّ على بعض طروحات زملائه قائلاً إن الناشر تاجر ويفكر في الاستمرارية قبل كل شيء، وهو يبحث عن الكتاب الذي يبيع، واعتبر أن الأمل يتركّز في النهضة الثقافيّة.
وتحدث الفقي عن دور التلفزيون في الترويج للمشاريع النهضوية والثقافية لأنه أداة تصل إلى كل بيت وإلى كلّ حجرة، وطلب خاشقجي بمؤسّسات لرعاية القراءة .
وفي ختام الجلسة كان لزاهي وهبي رأي لافت، وذلك بإشارته إلى أن برنامجه التلفزيوني "خليك بالبيت" على شاشة المستقبل حين يستضيف نجمة أو مغنية  تأتي الإعلانات من كل صوب وحدب، أما إذا استضاف مثقفاً أو شاعراً أو كاتباً أو فناناً تشكيلياً، يصبح البحث عن الإعلان أشبه بالاستجداء، وسأل في هذا المجال عن دور المال في عملية التنشيط الثقافية؟ وأجاب مسعود ضاهر بأنه قرأ في تقرير "مؤسّسة الفكر العربي" حول التنمية الثقافية أن هناك مئات المؤسّسات الثقافية التي تكرّم المبدعين والمثقفين، وهذا في رأيه منتصف الطريق، فالمطلوب ليس مؤسّسات تكريم بل مؤسّسات تمهّد الطريق لقيام مبدعين أو اكتشافهم وخلق جيل جديد في هذه المجال.

أومليل ويوسف والنجّار في قضايا التأليف وإشكالياته


وعلى غرار الجلسة الأولى، ضجّت قاعة المؤتمر بحضور الجلسة الثانية التي حملت عنوان "حركة التأليف: قضايا وإشكاليات"، والتي ترأسها الإعلامي والروائي الّلبناني الأستاذ أحمد علي الزين. أما المشاركون في الجلسة فكانوا المفكّر والمؤرخ المغربي علي أومليل سفير المملكة المغربية في لبنان، كاتب الأطفال المصري الأستاذ عبد التوّاب يوسف، الأكاديمي المصري الدكتور محمد محسن النجار، الإعلامي الأردني مهند المبيضين. وقد  دار النقاش حول ثلاثة محاور أساسية هي "ماذا يكتب العرب؟"، "أدب الطفل، هل أخذ مكانته المستحقة في حركة التأليف العربي؟"،  "كتب ذوي الاحتياجات الخاصة أين هي على قائمة اهتماماتنا؟"
تساءل الدكتور علي أومليل في المقابل عن غزارة الكتابة في الموضوعات الإسلامية، وعلق بقوله: "إنه سؤال ليس من باب الاحتجاج وإنما لمحاولة الفهم"، ثم اعتبر أن هذه الحالة تعبّر عن حاجة قرّاء يطلبون هذا النوع من الكتابات، داعياً إلى عدم الخلط بين موضوع بحثي إسلامي وآخر وعظي وإرشادي يفتقد المنهج العلمي. وأضاف: "السؤال الآخر هو لماذا وُجدت هذه القاعدة الواسعة من القراء؟" وقال: "إنها نتاج نظام تعليمي  في البلدان العربية ، ينتج عنه أنصاف متعلمين وأنصاف مثقفين. حيث هناك تسرب مدرسي، وانغلاق للجامعات على الخارج، وتضاؤل في الّلغات وفي التواصل مع الآخر، ولهذا وُجد كلّ هذا العدد الهائل من الذين يطلبون ما هو موجود وما هو عادي، في ظل غياب مؤسّسات وهيئات تخطط".
أما الدكتور محمد محسن النجار فلفت إلى أن الأساس في تكريس هذا النمط هو غياب الإبداع، وطريقة التلقين التي تمارس في طريقة التعليم، بما ينتج هذه الذهنية الثقافية والمعرفية. وتابع أنه وفاءً للماضي وعدم القدرة على تجاوزه، تغيب مفاتيح البحث لدى الكثير من الكتّاب العرب.
من جهته رأى الأخصائي في كتابة الأطفال الدكتور عبد التواب يوسف أن الاهتمام بالكتب الدينية فقط أمر خطير لأن الاطفال هم مستقبل الأمة، لافتاً إلى أن الدول المتقدمة تتصارع ليس حول دخول الفضاء وامتلاك الذرة والتكنولوجيا فحسب، وإنما حول صناعة ذكاء الطفل في مرحلة ما قبل التعليم الابتدائي. وأشارإلى عدم وجود هيئة واحدة في الوطن العربي تصدر بيبليوغرافيا حول ما يصدر عن كتب الأطفال، متمنياً على مؤسّسة الفكر العربي أن تأخذ على عاتقها هذه المهمة.
أما في التساؤل الأخير حول موقع كتب ذوي الاحتياجات الخاصة على قائمة اهتمامات الكتّاب والناشرين العرب، فأشار الدكتور محمد محسن النجار إلى مجموعة إشكاليات مرتبطة بهذا الموضوع، وتوقف عند أهمية ما كتبه طه حسين وأثر ذلك في النهضة الفكرية العربية. وأضاف قائلاًً  بأنه لا يجب على المجتمع العربي أن يتعاطى مع ذوي الاحتياجات الخاصة على أنهم أشخاص يعانون من نقص، لأن هذا ضار بالمجتمع وبهم. وتحدّث النجار عن توفر الوسائل التقنية الحديثة التي تتيح لذوي الاحتياجات الخاصة إمكانية التواصل مع الكتاب المقروء، ومع الكتابة أيضاً ققال: "إن التطور التقني موجود ولكن من يتحمّل مسؤولية التمويل؟". وختم مطالباً بعدم تقديم المساعدات إلى ذوي الاحتياجات الخاصة منعاً لتحويلهم إلى متسولين، وبضرورة مدّهم عوضاً عن ذلك بسبل المعرفة والتواصل.

تجارب عربيّة ناجحة


"تجارب عربية ناجحة" كان عنوان الجلسة الثالثة لليوم الأول من المؤتمر، التي ترأستها الأستاذة الجامعيّة الّلبنانية الدكتورة إلهام كلاب. وقد تناولت الجلسة ثلاث محاولات عربية ناجحة وهي "مشروع كتاب في جريدة" التي عرضها وتحدّث عنها الدكتور شوقي عبد الأمير مدير المشروع، "مشروع القراءة للجميع، مكتبة الأسرة"، التي عرضها رئيس مركز الدراسات في الأهرام الدكتور وحيد عبد المجيد، وتجربة "مركز دراسات الوحدة العربية" التي عرضها الدكتور صباح  ياسين.
عرّف عبد الأمير "كتاب في جريدة" بوصفه مشروعاً صادراً عن منظمة اليونسكو ويموّله الشيخ محمد بن عيسى الجابر، قائلاً: "إن فكرة المشروع تتلخّص بإعداد كتاب مختلف عن هيئة الكتاب العادي، لأن تقارير منظمة اليونسكو أفادت بأن المواطن العربي يقرأ الصحف بنسبة أكبر من قراءة الكتب، فكان لا بدّ من ابتكار آلة لنقل المعرفة. وهكذا كان "كتاب في جريدة" الذي تضمّن أيضاً فنّاً تشكيلياً راقياً". وأضاف: "أن الكتاب يوزع مجاناً من خلال 21 صحيفة عربية يومية، إضافة إلى مجلة "العربي"، وذلك عند كل أول أربعاء من كل شهر. فيما يوزَّع حوالى 2 مليون نسخة على كامل الوطن العربي من كتاب في جريدة شهرياً. فهذا الإصدار مستمر منذ خمسة عشر عاماً، وبلغ عدد الكتب المنشورة منه إلى الآن 136 عنواناً، بما يقارب الربع مليار نسخة". وأكّد عبد الأمير أن النهضة العربية بحاجة إلى آليات لنقل المعرفة، ولإيصال الكتاب، وتشجيع هذه التجربة الحضارية، ولفت إلى أن هذه التجربة فاقت توقعات منظمة اليونسكو، واعتبرتها أكبر مشروع لنقل المعرفة في العالم.
أما فيما يتعلق بـ"مكتبة الأسرة"، فتحدث مدير مركز الدراسات في الأهرام الدكتور وحيد عبد المجيد، طارحاً السؤال عما إذا كانت الثقافة خدمة أم سلعة؟  مشيراً إلى وجود اتجاهين يسودان في العالم اليوم، الأول تقوده الولايات المتحدة الأميركية ويقول ببيع الثقافة إلى من يملك المال، والثاني يصرّ على أن تبقى الثقافة في إطار الخدمة وليس في باب التجارة. ونبّه عبد المجيد إلى تصاعد الاتجاه الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية لأنه يستند إلى أدوات فاعلة. وعن مشروع مكتبة الأسرة الناجح في مصر قال: "هذا المشروع أتى من ضمن مشروع بدأناه في العام 1991 تحت عنوان القراءة للجميع،  وبدأناه بالتركيز على دعم المكتبات العامة، والمكتبات المدرسية وتطويرها وتحديثها".
وعن تجربة نجاح مركز دراسات الوحدة العربية حدّد الدكتور صباح ياسين عدداً من الأسباب الكامنة خلف هذا النجاح، منها: طبع رسائل الدكتوراه للطلاب العرب على نفقة المركز، توليد الأفكار، دراسة الأفكار من خلال أخصائييّن وباحثين تمهيداً لصناعة الكتاب، إضافة إلى الاهتمام بقضايا تهمّ بناء الوحدة العربية.

هل يحصل المؤلف على حقوقه؟


كان ختام اليوم الأول بجلسة رابعة  حملت عنوان "هل يحصل المؤلف العربي على حقوقه؟"، التي أدار الحوار فيها الإعلامي المصري الأستاذ أحمد المسلماني، والتي شارك فيها كلٌ من أمين عام الاتحاد العام للأدباء والكتّاب العرب الأستاذ محمد سلماوي، الروائية الّلبنانية علوية صبح، رئيس اتحاد الناشرين العرب الدكتور محمد عبد الّلطيف طلعت، رئيس تحرير صحيفة الّلواء الأستاذ صلاح سلام، الدكتورة حفيظة الحداد عميدة كلية الحقوق والعلوم السياسية في جامعة بيروت العربية، أمين عام الاتحاد العربي لحماية حقوق الملكية الفكرية في مصر المهندس محمد طلعت زايد.
وفي سؤال حول كيف يرى المبدعون قضية المؤلفين وكيف يرى الناشرون القضية أيضاً، بالإضافة إلى التشريعات التي تكفل حماية الملكية الفكرية، ركّز أمين عام اتّحاد الكتّاب العرب محمد سلماوي على حقوق الملكية الفكرية في العالم العربي، وقال إنها مهدروة ليس بسبب دور النشر، لكن لعدم وعي المجتمع بهذه الحقوق وعدم وعي المؤلفين أنفسهم بها. وتحدّث أيضاً عن الإجراءات التي اتّخذها اتّحاد الكتّاب في مصر من أجل حماية حقوق الأدباء والكتّاب.
ومن أبرز ما جاء في كلمة الروائية علوية صبح مسألة الحقوق المهدورة للكاتب سواء من الناحية المادية، أم لجهة حقّ الحرية في التأليف، إذ يصطدم الكاتب باستمرار بالرقابات العربية ، من دون أن يلتفت أحد لهذا الموضوع المركزي: "لا اتحادات كتّاب ولا ناشرين ولا غيرهم، الكاتب دائماً هو أعزل أمام كثرة الرقابات".
وتطرّق صلاح سلام إلى جدلية العلاقة بين المؤلف والناشر عبر جزأين، الأول نظري والثاني عملي تعرض فيه لبعض أوجه العلاقات والممارسات السائدة". واعتبر سلام أن مستوى رقي حضارة مجتمع ما يقاس بالأنظمة والقوانين الفعالة التي تحمي حقوق المبدعين وتشجعهم على المزيد من العطاء والإبداع وعلى الارتقاء بالمستوى الثقافي والعلمي للمجتمع. وهي تنعكس تلقائياً على الازدهار الاقتصادي وجذب الاستثمار المالي". وتطرق كذلك إلى تاريخ الملكية الفكرية في لبنان، مشيراً إلى أنه لم يعد موضوعاً محلياً إقليمياً، بل أضحى عالمياً بامتياز في ظلّ انتقال المعلومات بين دول العالم بسرعة مذهلة، الأمر الذي يزيد احتمال الاعتداء على حقوق المؤلف والناشر معاً. كما أصبح متعذراً حماية جميع الجوانب الملكية والفكرية للمؤلف والناشر، نظراً للتطور الهائل والمستمر في الحواسيب الآلية ووسائل الاتصالات والاستنساخ الحديثة والمتطورة، الأمر الذي أصبح معه التقليد والتزوير والاستعمال غير المشروع أمراً سهلاً".  
وأضاف سلام" ويحرم هذا التطور التقني المؤلف ودار النشر من امتلاك الأدلة الثبوتية القاطعة على التصرفات غير القانونية، في الوقت الذي يجب أن تنسجم فيه القوانين مع التطورات الحديثة وأن تواكبها، ومن هنا غدت الحاجة ماسة لاتفاقيات ومعاهدات سواء أكانت بينيّة على مستوى العلاقات الثنائية، أم غير ذلك بغية الحدّ من هذه الظاهرة الخطرة".
وعدّد سلام بعض المشكلات التي يعاني منها المؤلف في العالم العربي منها "عدم دعم الدولة للثقافة بشكل عام وللكتاب بشكل خاص، أما المعارض فهي موسمية وذات تكاليف  كبيرة ولا توجد تغطية إعلامية جيدة أو أي مساعدات تتلقاها دور النشر أثناء العرض. ومن المآزق التي يتعرض لها الناشر في المعرض، أنه كثيرا ما تمنع الإدارة في الّلحظة الأخيرة مجموعة كتب يكون قد تمّ شحنها، فتقوم بمصادرتها أو منعها، وفي أحيان كثيرة لا تعيدها إليه. فمن يعوض على الناشر هذه الخسارة؟، وماذا عن مسؤولية الرقابة التي تحظر في بعض الأحيان نشر كتاب كامل من أجل فكرة واحدة فيه!؟". واقترح سلام مجموعة حلول حول النشر، منها ضرورة تنظيم علاقة المؤلف بالناشر، والعكس صحيح، والحفاظ على دور المؤلف كصاحب رسالة لا بائع روايات وأبحاث، وأهمية دعم الاتحادات والنقابات التي تعنى بحقوق المؤلفين وتحافظ عليها.

"النشر بين تحديات الماضي... وآفاق الحاضر"


وقد استهلّ اليوم الثاني نشاطه بجلسة خامسة عنوانها "النشر بين تحديات الماضي... وآفاق الحاضر"، ترأسها الإعلامي الّلبناني في قناة الجزيرة بسام القادري الذي حاور كلاً من أمين عام جائزة الملك فيصل العالمية الدكتور عبد الله العثيمين، رئيس الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية في مصر الكتور محمد صابر عرب، مدير مركز المخطوطات في مكتبة الإسكندرية الدكتور يوسف زيدان، مؤسس ورئيس اتحاد كتّاب الإنترنت العرب في الأردن سابقاً الدكتور محمد سناجلة، و خبير المعلوماتية في مصر الدكتور نبيل علي.
ذكر الدكتور العثيمين في مداخلته أن القراءة عامل مهم من عوامل النهضة والتقدّم، وأن تراث أمتنا غني جداً، وأشار إلى أن هناك 4 ملايين مخطوطة عربية مفقودة ، ثم دعا إلى التنسيق بين المؤسّسات المعنية لتحديد نوع المخطوطات ومدى أهميتها.
وأشار الدكتور عرب إلى غياب الدراسات في العالم العربي التي تبيّن عدد المخطوطات، وأيضاً الى عدم وجود قوانين تنظّم هذه المخطوطات وتوفر قواعد البيانات حولها، لافتاً إلى أن ما ظهر مؤخراً على هذا الصعيد في مصر  من اهتمام  علمي بالموضوع.
أما الدكتور زيدان فاعتبر أن رقم 4 ملايين مخطوطة عربية ضائعة هو غير صحيح، لأن الإنتاج العربي لم يصل الى عشر هذا الرقم، مشيراً الى أنّ الكتاب الواحد كانت تنسخ منه عدة نسخ، وأنَ المخطوطات العربية في العالم لا تزيد عن المليون نسخة. وشدّد زيدان على أنّ المخطوطات هي ذاكرة الأمّة وحاضرها، وأنه علينا ان نكفّ عن النحيب، وأن نعمل قليلاً.
وعن النشر الإلكتروني تحدّث الدكتور سناجلة فقال: "لقد طرحنا في اتّحاد كتّاب الإنترنت العرب مشروعاً لرقمنة التراث العربي، لكنّه لم يلق قبولاً وتمويلاً من أي جهة".
وعن تحديات النشر الإلكتروني وتحديات الثقافة العربية قال: "إن العالم يدخل عصراً جديداً مختلفاً عمّا سبقه، كما أنَ الثورة الرقمية هي التي تسود حالياً، وأن أكبر ملياردير عالمي هو بيل غيتس جرّاء هذه الثورة الرقمية، لافتاً إلى حروب الإنترنت عبر أجهزة المخابرات العالمية، وإلى الإنسان الافتراضي الذي يحارب ويبيع ويشتري على الإنترنت، وإلى المجتمع الرقمي. وأكَد أن الإنسان الجديد يحتاج إلى كتابة جديدة، لأن لكل عصر كتابه". وأضاف: "أنه في العصر الحجري كتب الإنسان على الحجر، وفي العصر الرعوي كتب على الجلد، ومع الثورة الصناعية، حقّقت المطبعة ثورة جديدة، لذلك نحن نحتاج اليوم إلى الكتاب الرقمي".
ثم تحدث الدكتور نبيل علي فوضع جسراً بين الثورة الرقمية وبين التراث، معتبراً أن المشكلة مع أي معلومات هو ما يزيد عن المعلومات، متسائلاً: "أين هي الحكمة وقد ضاعت في خضمّ المعرفة، وأين المعرفة وقد ضاعت في خضمّ المعلومات؟". ورأى أن نسبة الاستفادة من التراث ضئيلة، وشدّد على الاستفادة من أكثر مصادر المعرفة في عالمنا العربي، ألا وهو الشعر والأدب لأننا أجدنا في إنتاجهما.
وأكد أن هذا الإنتاج يجدّد مصطلحاتنا، وأن الأدب هو أقصر الطرق لتطوير التنظير الّلغوي. وتحدّث عن الذكاء الاصطناعي، معتبراً اّنه محاكاة للعمليات الذهنية التي يقوم بها الذهن البشري، استيعاباً وفهماً وإدراكاً. واعتبر أنّ الإنترنت يعيش لحظة حاسمة في التطوّر، بسبب تطوّر الشبكات المجتمعية عليه، مثل الفايس بوك وغيرها.
وأوضح أنّ النشر الإلكتروني والبحث الإلكتروني هما واحد، داعياً إلى عدم تسليم قدرنا المعلوماتي إلى الشركات الكبرى. وأشار إلى الشحّ الحاصل في تمويل المشاريع الإلكترونية في العالم العربي، وشدّد على ضرورة إعادة النظر بتدريس الّلغة العربية والاهتمام بها أكثر.


"نحو سوق عربية مشتركة للكتاب"


"نحو سوق عربية مشتركة للكتاب" عنوان الجلسة السادسة التي ترأسها الإعلامي السعودي في قناة "أل بي سي" الّلبنانية الأستاذ أحمد عدنان، والتي حاور فيها كلاً من شوقي عبد الأمير خبير العلاقات الثقافية في منظمة اليونسكو والمشرف العام على مشروع كتاب في جريدة، الدكتور معتصم سليمان مدير إدارة التجارة والاستثمارات في القطاع الاقتصادي في جامعة الدول العربية، الأستاذ سليمان بختي مدير دار نلسون للنشر والتوزيع في لبنان، والأستاذ بشار شبارو أمين عام اتحاد الناشرين العرب في لبنان.
جاء في مداخلة الدكتور عبد الأمير أن أمة العرب تبيع من كل كتاب حوالى ألف نسخة، متسائلاً: "هل هذه السوق مفتوحة؟" واعتبر أنّها ليست بسوق مغلقة فحسب، وإنما هي سوق مدفونة. فلا يوجد سوى معارض الكتب، أما المكتبات فصارت من الماضي، وكأنها تشبه مواقع الآثار التي ينام عليها الغبار. وأشار إلى أنه لا يوجد سوى مكتبة رئيسية في الرياض وثانية في بيروت، فضلاً عن بعض المكتبات الحوانيت. وقال:" لنا أن نطرح سؤالاً يتعلق بمعرفة أسباب التدهور في علاقة العربي، وهذه الممارسة الحضارية في العالم".
ثم أطلق فكرة تتعلق بمحاولة الردّ لتوسيع هذه العلاقة بين المنتج وبين المعرفة ومشكلاتهما، ملمحاً الى أن الكتاب لا يصل إلى مستهلكيه بالشكل الطبيعي. كما أكّد  أنّنا لسنا أمة جاهلة تتنكر للمعرفة، وإنما السؤال: "كيف نصل إلى تجاوز العقبات؟"، مقترحاً  إنشاء سوق عربية مشتركة للكتاب تعتمد على التشريع القانوني العربي المشترك، وتتعلق بحقوق المؤلف والناشر وعملية البيع والمردود المالي. كما دعا إلى أن تشكّل معارض الكتب العشرون التي يشهدها العالم العربي سنوياً، اتحاداً في ما بينها ضمن تشريع قانوني واحد. وشدّد على مسؤولية جامعة الدول العربية في تشكيل مظلّة لتسويق الكتاب.
وميّز الدكتور معتصم سليمان بين السوق العربية والسوق المشتركة، لأنّ الفرق شاسع بينهما، مذكراً أنّ السوق العربية المشتركة تحقّقت في جانب التبادل السلعي، ومعتبراً أن الكتاب ذو شقين، إذ يمكن اعتباره سلعة، وأيضاً خدمة ثقافية، الأولى تخضع للرسوم الجمركية، في حين لا يزال لدينا القيود غير الجمركية.
وتحدث بشار شبارو قائلاً: " الأساس في أزمة الكتاب وأزمة الناشر والمؤلف هو غياب التوزيع الجيد". وأكّد  أنّه اذا كان التوزيع جيداً فلا توجد مشاكل على مستوى العالم العربي، ووصف معارض الكتب بأنها للبيع والشراء، وللتواصل مع المؤلفين، ومع المراكز الثقافية، لأنّنا نفتقد الحلقة الأساسية ألا وهي عملية التوزيع. ودعا شبارو إلى قيام شراكة بين المؤسّسات الثقافية الحكومية القادرة وبين القطاع الخاص، لأن ذلك يساعد في عملية التوزيع في كامل الوطن العربي. ولفت إلى أهمية تجربة سلسلة عالم المعرفة التي تنفذ كتبها في الأسبوع الأول للإصدار، وهذا يعود إلى التوزيع الجيد.
وطالب الناقد سليمان بختي بأن يكون شعار المؤتمر "كتاب يصدر..كتاب يصل.. أمة تتقدم"، مشيراً إلى وجود أزمة حقيقية في إيصال الكتاب إلى القارئ. ورأى أن المشكلة الأساسية هي في الإرادة السياسية، وفي التشريعات غير الموجودة في البرلمانات العربية، معتبراً أن لا أحد يحبّ الكتاب في الوطن العربي، الأمر الذي يولّد لدينا بعض التشاؤم على مستوى العقل والتفاؤل على مستوى الإرادة. كما ركّز على ضرورة تنمية القراءة لأنها الأساس في تنمية الهوية، ودعا إلى تشبيك  العلاقات بين المثقفين والجامعيين ودور النشر، لدعم الكتاب من أجل التغيير، مناشداً المؤلفين بأن يصادروا كتبهم كي تحقّق مبيعاً أوسع.

القراءة: أزمة قارئ أم أزمة كتاب؟


الإعلاميّة الّلبنانيّة في جريدة الشرق الأوسط الدكتورة سوسن الأبطح، تسأل المنتديين "هل نحن أمة لا تقرأ؟ ولماذا؟"، "ما هو دور المكتبات العامة في نشر المعرفة؟"، وأخيراً "ماذا يقرأ العرب؟"، وذلك  في الجلسة الحوارية السابعة من المؤتمر التي حملت العنوان الآتي: "القراءة: أزمة قارئ أم أزمة كتاب؟". وهي جلسة شارك فيها كلّ من الأستاذ صقر أبو فخر مدير مركز الدراسات الفلسطيني في لبنان، الناقد السعودي الدكتور عبد الله الغذامي، الأستاذة الجامعية في جامعة الإمارات الدكتورة أسماء الكتبي، أمين عام مكتبة الملك فهد الوطنية الأستاذ علي بن سليمان الصوينع، الأستاذة الجامعية في كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية الدكتورة مود أسطفان، المفكر السوري الدكتور علي عقلة عرسان، ورئيس تحرير جريدة أوان الكويتية الدكتور محمد غانم الرميحي.
بدايةً، أشار صقر أبو فخر إلى وجود أزمة قراءة، وأزمة في الكتابة، إضافة إلى مشكلة الإبداع. وذكر أن القرن العشرين شهد نقاشاً أدّى إلى كتابة العديد من المؤلفات بسبب وجود تيارات سياسية قومية ويسارية، فضلاً عن قضية تحرير فلسطين، لافتاً إلى انحسار هذه التيارات الفكرية الكبرى، وغياب مشروع سياسي عربي باستثناء المشروع الإسلامي، الأمر الذي أدّى إلى تراجع الكتابة.
وتحدّث أبو فخر عن أمية المتعلمين، وبروز كتب الطبخ والشعوذة والتنجيم. وأعرب الدكتور الغذّامي عن أن أكثر ما يخشاه هو أن "نتآمر على أنفسنا وأن نحصرها داخل الكتاب، متناسين وجود ثقافة البصر والسمع. ولفت إلى أن الشائعة هي أكثر رواجاً وتصديقاً من الخبر الرسمي، وإلى اهتمام الناس بالشعر أيضاً، داعياً إلى الاستماع إلى الجيل الجديد ومشكلاته وتطلعاته.
أما الدكتورة الكتبي فقالت أن لا عداء مع المعرفة من أيّ جهة أتت، مشيرةً إلى أن الجيل الجديد يقرأ من شبكة الإنترنت أكثر مما يقرأ من الكتب، وهذا يدخل في باب الثقافة.
ورأى الأستاذ الصوينع بدوره أنه في كل مراحل التطور الإنساني هناك جدل بين مقبول ومرفوض، وبين وجهات النظر المتباينة، مؤكداً أن المكتبات العامة ستبقى تقليدياً مصدراً للمعرفة والقراءة، وأن الكتاب الورقي سيظلّ سيد أوعية المعلومات.
وتحدثت الدكتورة مود اسطفان عن الدور الجديد للمكتبات فقالت: "لقد طرح أمناء المكتبات العامة سؤالاً عن الدور الجديد لهم، ليكتشفوا أن دورهم يقوم على حفظ هذه المكتبات، وإرشاد الطلبة والباحثين على طريقة الحصول على المعلومات من مصادرها، والتدليل على محركات البحث، وتسهيل الوصول إلى المعلومات، وعلى التدريب، وإنتاج الفهارس والبيبليوغرافيا". وأكّدت على أن دور المكتبة العامة يكمن في إشاعة عادة القراءة لدى الناس. وذكرت: "أنه صار في لبنان حالياً 85 مكتبة عامة، ولكن من أبرز مشكلاتنا هنا وفي العالم العربي أننا نقرأ فقط لكي نتعلم".
وتناول الدكتور الرميحي مسألة ماذا يقرأ كل مواطن عربي في بلده، لأن سقف الحريات المرتفع في لبنان يختلف عمّا هو عليه الأمر في باقي الدول العربية. وأضاف أن المشكلة الحقيقية في باقي الدول هي مشكلة غياب الحريات، وهو أمر يؤدي إلى ضعف الإبداع.
وفي ختام الجلسة السابعة، أشار الدكتور علي عقلة عرسان إلى نقطة مركزية في الأزمة المطروحة تتعلق بالعلاقة بين القارئ والكتاب في مدة التفاعل مع الكتاب. وقال إن الكتاب يسهم في تكوين عقل الإنسان، ويجالسه، ويخاطبه، ويترك للمتلقي أن يتأمل، وأن ينضج من خلال المعطى المعرفي. ودعا إلى إيجاد سياسة عامة وإلى التعاون بين القطاعين العام والخاص والإعلام.

طاولة مستديرة: مبادرة شركاء من الكتاب العربي


آخر الجلسات كانت طاولة مستديرة أدارت حوارها الإخصائية في طرق تدريس الّلغة العربية الدكتورة هنادا طه، لتختم آخر الجلسات أمام محاوريها الأستاذ محمد سلماوي والدكتور محمد عبد اللطيف طلعت والدكتور معتصم سليمان مدير إدارة التجارة والاستثمار في القطاع الاقتصادي في جامعة الدول العربية، والمفكر والوزير البحريني السابق الدكتور علي فخرو، والمفكر الّلبناني الدكتور رضوان السيد، و الأستاذة ماجدة الجندي رئيسة القسم الثقافي في جريدة الأهرام المصرية، والإعلامي المصري الأستاذ وائل الإبراشي.
وعلى عكس الجلسات السبع السابقة، قرّرت الدكتورة هنادا طه أن تضرب بيدٍ من حديد وأن تقوم بمحاورة المنتديين عشوائياً في الجلسة التي حملت عنوان "مبادرة الشركاء من أجل الكتاب العربي" على أن تُختم الجلسة بمجموعة من الإجابات التي تُشكل حلولاً لقيام سوق عربية مشتركة للكتاب العربي. فاستهلّت طه كلامها بالقول: "على فترة اليومين كنّا نناقش من الماذا واللماذا؟ ماهية القراءة؟ ماهية الكتابة؟ ماهية المخطوطات؟"... وأضافت: "الآن وصلنا، وفي ساعة زمنية واحدة، علينا أن نجد الكيف... كيف سنفعل هذا... فأنا أعتقد الآن أننا لن ننهي هذا الحديث، بل نحن نبدأ الآن فقط في التحدث والنقاش ..كيف نثبّت ما تكلّم عنه الجميع وما حلّله الجميع". ثم تطرقت طه إلى المحاور التي تمّت مناقشاتها بسؤالٍ للدكتور رضوان السيد "كيف يشجع التأليف النوعي للكتب الهامة المرتبطة بالمجتمعات في نهضتها؟". فأجاب السيد بالقول إن الكتب النوعية أو التأليف النوعي يعني أنها مؤلفات تقدم مكتشفات في التقدم الاجتماعي أو الاقتصادي أو الإنساني، وأنها تبرع في مجال العلوم الإنسانية وتعتبر من النواة الأساسية لعملية التقدم في مجال البحث العلمي والتطبيقي. وأضاف السيد: "تجربتنا هنا لا تتعلق بالقراءة والكتابة بشكل مباشر، بل تتعلق منذ حوالى 150 عاماً بعمليات بناء الدولة، لأن التقدم النوعي كان تابعاً لفهم أصحاب مشروع بناء الدولة لأهمية التقدم العلمي في هذا المكان. ولم يكن هذا الوعي عميقاً أو مستمراً في الفترة الأولى، بل كان مقتصراً على النواحي العسكرية بشكل خاص، ثم تتطور في مطلع القرن العشرين وما بعده".
أما  الدكتور فخرو فتحدث عن ماهية العلاقة بين القراءة والسياسة، وألمح إلى الذين طالبوا بتحويل الجامعة العربية إلى العمل الثقافي بعدما فشلت في الثقافة، قائلا ً: "لو كانت الجامعة العربية ستنجح في الثقافة لنجحت المنظمة العربية للثقافة التابعة لها". وتحدث عن تجربته في هذا المجال قائلاً إنه وضع مع زملائه مشروعاً من أجل تفعيل المنظمة في مشروع محو الأمية وأنهم حاولوا المستحيل لكن الحكومات العربية خذلتهم، كان المشروع يحتاج إلى مئة وخمسين مليون دولار فلم يحصلوا إلا على خمسة عشر ألف دولار. وأضاف: "في قلب أزمة الكتاب هناك أزمة السياسية، وفي قلب أزمة السياسية هناك أزمة الدول العربية. والمعروف أن معظم الدول العربية مشغولة بأمنها ومكتسباتها السياسية". وسأل: "كيف نلوم الفقير وهو لا يستطيع شراء كتاب؟" وانتقد المدارس الخاصة في العالم العربي التي تخرج أجيالا غير قادرة على قراءة جريدة فكيف الحديث عن قراءة الكتب الفكرية والفلسفية وطه حسين والمنفلوطي. في اعتقاد فخرو أنه يجب أن نعرف القضية الأساسية وراء كل الأزمات، وفي النهاية لا بد من العودة إلى السياسية.
وتحدثت الكاتبة ماجدة الجندي في المجال العربي عن تجبرتها في جريدة الأهرام، أولا في التحقيقات الميدانية ثم في الصفحة الثقافية، وكيف عملت على سدّ الفجوة بين الثقافة والمواطن العادي، وطالبت بتأسيس جيل قارئ يبدأ من الطفولة. أما الأستاذ وائل الإبراشي فقال إن المؤسّسات الإعلامية تقع بين حدّ الوصاية الدينية وحدّ الوصاية السياسية، هذه الوصاية التي تهدّد الإبداع، وألمح إلى أنه ليس من مؤسّسات تشجع الكتاب في العالم العربي، وحتى تلك المؤسسات التي نشأت على هذا الأساس غرقت في براثن الشللية والمجاملات، وطالب بتشجيع كتب الأطفال وبتوزيع الكتب.
وختم الإبراشي قائلاً إن الحكومات العربية تخشى الوعي لدى المواطنين العرب لأن ذلك سيؤدي حتماً إلى تغيير الأنظمة، واذا كان الوزير النازي يقول: "عندما أسمع كلمة ثقافة اتحسّس مسدسي، فـالحكومات العربية تتحسّس مدفعها".
الدكتور محمد عبد اللطيف طلعت طالب بتحول المواطن العربي من متلقي إلى قارئ وهذا الأمر يتعلق بالتعليم والحرية والنشر والدولة ومهمتها. وتحدّث معتصم سليمان عن أسباب فشل المشاريع الثقافية في ظل الإرادة السياسية. وكان آخر المتحدثين محمد سلماوي الذي شكر مؤسسّسة الفكر العربية واعتبر أن قيمة المؤتمر كانت في النقاش الذي جرى فيه، واستدرك في كلمة عن طوفان الإنترنت وما قيل حوله، سائلاً: "ماذا أعددنا لهجمة الإنترنت وطوفانه غير الشكوى؟". وأضاف أن الإنترنت ليست بهذه القوة التي نتحدث عنها. ثم سأل أين الكتاب الذي نخاف عليه من الإنترنت في حين تفيد الأرقام بأن هناك كتاباً واحداً لكلّ اثني عشر ألف مواطن،وطالب بتفعيل الرأسمال في خدمة المشاريع الثقافية.

مبادرة شركاء من أجل الكتاب العربي ...


اختتم مؤتمر "حركة التأليف والنشر في العالم العربي" بمؤتمر صحفي عقده رئيس المؤسّسة الأمير خالد الفيصل بحضور وزير الثقافة تمام سلام، ووزيرة الثقافة الفلسطينية لميس العلمي، وعدد من المشاركين.
وقدّمت العلمي الشكر للأمير خالد الفيصل على مبادرته تجاه أطفال فلسطين، وأعلنت أن مشكلات التعليم في الوطن العربي عائدة إلى طرق التلقين"، مشدّدةً على أهمية التركيز على التعليم بوسائل التكنولوجيا.
وقد ردّ الأمير الفيصل على شكرها بالقول" إذا كان لي من كلمة  في هذه المناسبة، فهي أولاً أن أشكر مؤسّسة إنتل الشريكة في هذه المبادرة، كما أريد أن اؤكد أننا كلنا لفلسطين، وسوف نستمر بهذا الشعور وهذا الأمل إلى أن تقام الدولة الفلسطينية على الأراضي الفلسطينية وهذا وعد من جميع العرب".
ثم كان مسك ختام المؤتمر بإعلان مبادرة "شركاء من أجل الكتاب العربي" للنهوض بقضايا الكتاب، وهي شراكة تجمع بين مؤسّسة الفكر العربي ووزارة الثقافة الّلبنانية واتّحاد الكتّاب والأدباء العرب واتّحاد الناشرين العرب ومؤسّسة الجابر للأعمال الخيريّة. وقد تلا الأمين العام لمؤسّسة الفكر العربي سليمان عبد المنعم المبادرة التي اشتملت على عشرة بنود، ممهداً بقوله:
إن مؤسسة الفكر العربي وشركاءها إذ يعبرون عن اهتمامهم بما رصدته التقارير التنموية الثقافية العربية والأجنبية حول ضعف واقع التأليف والقراءة في العالم العربي، وانطلاقاً من إيمانهم العميق بدور الثقافة في تعزيز التضامن العربي، ودور الكتاب في تحقيق التنمية الثقافية، فإنهم يتوجهون إلى شتى المؤسّسات والجهات المعنية بقضايا الكتاب في العالم العربي بما يلي:

  1.  تشجيع التأليف النوعي للكتب الهامة ذات الارتباط الوثيق بقضايا المجتمع العربي وتحديات العصر، وتقديم الحوافز المادية والأدبية لأهم الكتب التي تصدر سنوياً.
  2.  الاهتمام بحركة التأليف والبحث التي تسهم في بلورة وصياغة مشروع نهضوي عربي، وتشجيع الأعمال الجماعية الميدانية في هذا المجال.
  3.  تهيئة المناخ الإبداعي للشباب، في مجال التأليف بتقديم الدعم المناسب لإصدار العمل الإبداعي الأول.
  4.  أهمية تنسيق الجهود والمبادرات لتشجيع انتشار الكتاب العربي، وإزالة المعوقات الجمركية والبيروقراطية التي تحدّ من تدفقه وتداوله عبر الحدود العربية.
  5.  تعزيز التكامل الاقتصادي العربي على صعيد اقتصاديات الكتاب والدعوة إلى إنشاء سوق عربية مشتركة للكتاب.
  6.  دعم وتنسيق الجهود العربية الرسمية والخاصة والأهلية في مجال حماية المخطوطات وأهمية إصدار فهرس شامل للمخطوطات العربية، وضرورة إصدار تشريعات تحمي المخطوطات العربية.
  7.  تعزيز موقع الكتاب الرقمي الإلكتروني وتنسيق جهود شتى المؤسّسات العربية العاملة في هذا المجال وأهمية كفالة حقوق المؤلف المادية والمعنوية في ما ينشر على شبكة الإنترنت وإصدار معجم عربي شامل للمصطلحات والمفاهيم في مجال المعلوماتية.
  8.  دعم الجهود والمبادرات الكفيلة بحماية حقوق الملكية الفكرية للكتاب والدعوة إلى ميثاق أخلاقي يضمن الحقوق المتبادلة للمؤلفين والناشرين معاً.
  9.  الاهتمام بدعم المكتبات العامة وتطويرها بما يتناسب مع العصر الرقمي والوسائل الحديثة لتدفق المعلومات والأفكار، ودعم المكتبات المتنقلة وتعميمها في القرى والأماكن البعيدة تجسيداً لمبدأ القراءة للجميع.
  10.  الإشادة بالتجارب والمبادرات العربية الناجحة في مجال التأليف والنشر التي أسهمت في تقديم الكتاب مجاناً أو بأسعار زهيدة والدعوة إلى دعم هذه التجارب والمبادرات وتطويرها وتعميمها في شتى أنحاء العالم العربي.

وقد وقّع على مبادرة "شركاء من أجل الكتاب العربي" كلّ من صاحب السموّ الملكي الأمير خالد الفيصل رئيس مؤسّسة الفكر العربي، ووزير الثقافة الّلبناني تمام سلام، والدكتور شوقي عبد الأمير من مؤسّسة محمد بن عيسى الجابر، ورئيس اتّحاد الكتّاب العرب الأستاذ محمد سلماوي، ورئيس اتّحاد الناشرين العرب الدكتور محمد عبد الّلطيف طلعت.

إعلان جائزة أهم كتاب عربي


وكان أول تطبيق لأحد بنود مبادرة شركاء من أجل الكتاب العربي، وهو البند الأول الذي يشير إلى تشجيع التأليف النوعي للكتب الهامة ذات الارتباط الوثيق بقضايا المجتمع العربي وتحديات العصر، وتقديم الحوافز المادية والأدبية لأهم الكتب التي تصدر سنوياً،  إعلان صاحب السموّ الملكي الأمير خالد الفيصل رئيس مؤسّسة الفكر العربي عن جائزة سنوية لأهم كتاب عربي وقيمتها مائة ألف دولار.